نظرةٌ تحليليّةٌ لواقع حلم الثّورة

نظرةٌ تحليليّةٌ لواقع حلم الثّورة

المعالج النّفسيّ: داوود فرج

هنالك تسمياتٌ متعدّدةٌ للحركة الشّعبيّة في لبنان. البعض يسمّيها “حراك”، وهذا لا يعبّر عن حجم ونوع الاحتجاج في الشّارع. البعض الآخر أطلق عليها مصطلح الانتفاضة، إلّا أنّ الانتفاضة تعبّر عن حالة غضبٍ ضدّ مشروعٍ معيّنٍ عند أهل الحكم، ولا تهدف إلى تغييرٍ جذريٍّ في نظام الحكم أو النّظام السّياسيّ، أي أنّها حالة تعبيرٍ عن رفضٍ لأداء السّلطة أيًّا كانت السّلطة الحاكمة.
أمّا حالة الثّورة، فهي تهدف إلى نسف كلّ ما هو سائدٌ لتغيير منظومة الحكم القائمة؛ كما أنّها تمتلك المبادرة والمباغتة والقوّة لتنفيذ مشروعها البديل والجذريّ، وهذا ما لم يتوفّر بعد في الحركة الشّعبيّة في لبنان.
أمّا أدقّ تعريفٍ لهذه الظّاهرة فهو “يوتوبيا”، وهو مصطلحٌ قديمٌ في علم الاجتماع. يعبّر عن نشوء حالة حلمٍ وتصوّرٍ عند الجماهير المحكومة لنمط حياةٍ جديدٍ ومثاليٍّ ومعاكسٍ لأفكار الأيديولوجيّات السّائدة المتمثّلة في الواقع.
وبتعريفٍ مختصرٍ لمفهوم الأيديولوجيا، فهو منظومةٌ فكريّةٌ وسياسيّةٌ، تحكم أرض الواقع عبر قوانين وأعرافٍ وقيمٍ خاصّةٍ بها حتّى تصبح عقليّةً اجتماعيّةً مشتركةً بحيث يصبح هناك تناغمٌ تامٌّ ورضًى بين الحاكم والمحكوم. ثمّ، تقوم السّلطة بخلق التّبريرات والآليّات وعرض القوّة حتّى تصبح هي الواقع السّائد المفروض على الجميع، وذلك بدافع الحفاظ على امتيازات أهل الحكم في مواقع السّلطة.
هناك صعوبةٌ في فصل الجمهور عن أسياد المنظومة الحاكمة بسبب السّيطرة الكاملة على نمط التّفكير لديهم والقدرة على استلاب الإرادة الحرّة من الفرد لأنّه محكومٌ عليه في خدمة الجماعة، فتصبح العلاقات بينهم لاواعيةً ترتبط عبر شخصيّة القائد المطلق أو الزّعيم الأوحد.
وقد تكون السّلطة الحاكمة على مستوى الدّولة متعدّدة الأيديولوجيّات، كما هو الحال في لبنان؛ غير أنّ السّلطة، بالضّرورة، تكون لها أيدولوجيا خاصّةٌ بها لتستطيع أن تحكم، وذلك بخلق تبريراتٍ لوجودها في الحكم، مثل الدّيمقراطيّة التّوافقيّة الّتي تبرّر محاصصة الدّولة لزعماء التّركيبة الطّائفيّة. “إن لم يحصل ذلك، فالبلد متّجهٌ نحو الدّمار.” ولأنّ أهل الحكم توافقوا على نهب خيرات البلد، فقد لجؤوا إلى تأصيل حالة الخوف لدى كلّ طائفةٍ من سواها.
وبالعودة إلى اليوتوبيا، فإنّها تنشأ من رحم الأيديولوجيا كحالة نقيضٍ تامٍّ لها، تشكّل بذلك تصوّرًا لحياةٍ مثاليّةٍ ومختلفةٍ عن الواقع. فعلى سبيل المثال لا الحصر، الثّورة وطنيّةٌ وغير طائفيّةٍ لأنّ أهل الحكم طائفيّون، وثورةٌ ليس لها قادةٌ وزعماء لأنّ الزّعامة أساس النّظام الحاليّ، والثّورة تتمسّك باستقلاليّة الدّولة لأنّ ولاء أهل الحكم للخارج، كما أنّهم ضدّ الحرب الأهليّة لأنّ أسياد الحكم هم أركانها، والثّورة مع الاقتصاد المنتج لأنّ اقتصاد النّظام ريعيٌّ وزبائنيٌّ، والثّورة تنادي بالمواطنة لأنّه لا وجود للمواطنة في ظلّ النّظام اللّبنانيّ… نقيضٌ مثاليٌّ لواقعٍ بائسٍ.
إذًا، ما نشهده في لبنان هو نشوء عقليّةٍ جديدةٍ رافضةٍ للعقليّة السّائدة. وحين نقول عقليّةً، فهذا يعني التّداخل بين الحلم والرّغبة والمشاعر والأفكار، وهذا بالتّأكيد غير مألوفٍ لدى السّلطة الحاكمة ولا ترى من خلاله سوى ممارسة العدوان عليها بأشكالٍ مختلفةٍ لنسفها وتشويهها لأنّها تشعر بالخوف الحقيقيّ منها.
على ضوء ما تقدّمنا به لوصف اليوتوبيا، فما هو مسار الحركة الشّعبيّة اللّبنانيّة؟
للإجابة على هذا السّؤال، لا بدّ من السّؤال أوّلًا: من هم اليوتوبيّون؟ هم ضحايا النّظام من مختلف الطّبقات الاجتماعيّة. هذا الجيل الجديد، الّذي لم يجد مكانًا له بين أهل المحاصصة وأيديولوجيّاته ومبررّات الظّلم، هذا الجيل المتعلّم الآتي من الذّكاء التّكنولوجيّ، هو من يتخيّل ويحلم ببديلٍ يوتوبيٍّ.
ولا شكّ أنّ قوّة اليوتوبيا تكمن في تحطيم مصداقيّة الأيديولوجيا والسّلطة الحاكمة. ولكي تتحوّل إلى ثورةٍ، لا بدّ لها من الانتقال من وضعيّة الدّفاع إلى وضعيّة الهجوم، بدءًا بتعرية أهل الحكم من جهةٍ، والإصرار على تحقيق أهدافها بقوّة الموقف وقوّة الجمهرة من جهةٍ أخرى.
إذًا، لا عودة لأهل اليوتوبيا إلى الوراء حتّى ولو أُخرجوا من الشّوارع؛ فطريقة التّفكير اختلفت وكذلك الحلم بمستقبلٍ ثوريٍّ.