البروفيسور، كونفوشيوس وروبن هود

البروفيسور، كونفوشيوس وروبن هود

رامي راجح

الحديث عن واجب الحكومة الجديدة لا يعني بالضّرورة أنّنا أقرّينا بكيفيّة وصول البروفيسور دياب إلى موقع الرّئاسة الثّالثة. جاء صعوده إلى المسرح الرّئاسيّ نتيجة تصويت الأحزاب الثّلاثة الرئيسيّة في البرلمان (حركة أمل، حزب الله والتّيّار العَونيّ) والّتي أرادت قمع الانتفاضة بـ٦٩ صوتًا. ومن جهةٍ أخرى، حزبان (القوّات اللّبنانيّة وتيّار المستقبل) يتجاهلان تمامًا الألم والمعاناة الّتي يعاني منها نصف النّاس تقريبًا، مع صعودٍ ساطعٍ لتعبيرٍ وحشيٍّ مذهبيٍّ “سنّيٍّ” يقابله تعبيرٌ همجيٌّ مضادٌّ “شيعيٌّ” جعل النّاس يشعرون وكأنّهم على وشك سيناريو شبيه بالعراق (بعد احتلاله بـ ٢٠٠٣) في بدايات الصّراع المذهبيّ.

من المبكّر أن نتحدّث عمّا يجب أن تفعله الحكومة عندما تكون هناك شكوكٌ كثيرةٌ حول ما إذا كان بإمكان البروفيسور دياب تشكيل حكومةٍ. لنبدأ بالجملة الأولى الّتي تظهر على موقع البروفيسور دياب: “رؤيتي لا تقلّ عن تغيير العالم، ولكنّي أدرك أنّ الخطوة الأولى هي تغيير الذّات.” بطبيعة الحال، فإنّ السّؤال الأوّل الّذي يتبادر إلى ذهن أيّ شخصٍ هو: ما الّذي سيغيّره حسّان دياب في ذاته من أجل التّغيير الأوسع، وليس العالم، وأقلّه على صعيد الحالة الاجتماعيّة الاقتصاديّة البائسة الّتي تمّ تعيينه لإدارتها؟ ثمّ، يذهب البروفيسور دياب إلى الاقتباس من كونفوشيوس قائلًا: “إذا كانت خطّتك لسنةٍ واحدةٍ، فازرع الأرز. إذا كانت خطّتك لمدّة عشر سنواتٍ، فازرع الأشجار. إذا كانت خطّتك مدّتها مائة عامٍ، فقم بتعليم الأطفال.” ومع سير الأمور ومجيء غيمة سندات اليورو اللّبنانيّة في مارس، دعونا نأمل أن تكون مهاراته في زراعة الأرز في متناول اليد.

من المحتمل أن يكون هناك أكثر من عشرين مهمّةً مضطرًّا لها أيّ رئيس وزراء قادمٌ. وهنا، يأتي التّركيز على التّدابير الّتي يتعيّن القيام بها والّتي سيكون لها تأثيرٌ من الشّهر الأوّل. وحتّى لا نتحوّل الى إضافةٍ إلى قائمة الأمنيات المطلوبة من سانتا كلوز، فأوّل إجراءٍ مطلوبٍ من أيّة حكومةٍ جديدةٍ هو الإعلان عن عدم قدرتها على سداد سندات اليورو المستحقّة والدّخول في إعادة جدولة الدّيون مع الجهات المانحة ضمن خطّةٍ ورؤيةٍ واضحةٍ مبنيّةٍ على تحميل كبار المستفيدين الحمل الأثقل. كما نحتاج ونطالب هيئة الرّقابة على المصارف أن تحدّد مصير ما بين ٤٠ إلى ٥٠ مليار دولار بحيث ضياعها هو أحد الأسباب الرّئيسيّة الّتي نتعرّض بسببها إلى “الكابيتال كونترول” من قبل المصارف. مع العلم أنّ هناك نظريتين سائدتين حول هذا الرّقم: الأولى هي زعم بعض الاقتصاديّين أنّ الأموال قد ولّت، ويزعم آخرون أنّ الأموال هاجرت وهي في أيدي كبار المودعين والمساهمين في البنوك؛ ولهذا، المطلوب من البنك المركزيّ تقريرًا رسميًّا يحدّد مصير الـ ٤٠ مليار دولار.

بالإضافة إلى ذلك، يجب إعلام حاملي سندات اليورو بأنّهم لن يحصلوا على المبالغ الّتي يتوقّعونها، أي أنّ الدّولة ستدفع في أحسن الأحوال ثلثي المستحقّات. هنا، نسأل: من الّذي سيدفع الثّمن؟ يجب أن يتحمّل كلّ واحدٍ من المستفيدين من قروض Eurobond وسندات الخزينة الّذين استثمروا أكثر من مليون دولار خلال العقد والنّصف الماضيين كامل أعباء التّخفيضات.

أيّة عمليّة للإصلاح ستكون غير فعّالةٍ بدون فرض الضّرائب التّصاعديّة كجزءٍ لأيّة سياسةٍ ضريبيّةٍ متكاملةٍ للحكومة القادمة، وإعادة توزيع الثّروة بحيث لا تعود لواحدٍ بالمائة من المودعين قدرة امتلاك نصف الودائع المصرفيّة كما هو الحال الآن. المطلوب وضع سكّةٍ ماليّةٍ (ضريبيّةٍ) ونقديّةٍ واضحةٍ وعادلةٍ، بحيث لا يتأثّر صغار ومتوسطّو المودعين بنفس حجم حيتان المال الّذين استفادوا من الفوائد والمضاربة على مدى عقودٍ.

أخيرًا وليس آخرًا، هناك تدبيران سيُظهران ما إذا كان النّاس سيبقون في الشّارع أم لا: تمرير قانون استقلاليّة القضاء وتعيين موعدٍ قريبٍ للانتخابات النّيابيّة المبكّرة. ومن المطالب الرّئيسيّة لكلّ مَن في الشّارع المساءلة والمحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة عبر قضاءٍ مستقلٍّ ونزيهٍ، كما استرداد عزّة نفس النّاس وكراماتهم.
الدّعوة للانتخابات المبكّرة هي الطّريق الوحيد للنّاس لاختيار ممثّليهم وقياداتهم عملًا بالفصل الّذي يكتبه لبنان منذ 17 تشرين.

نتّفق بالتّأكيد مع كونفوشيوس حول الحاجة إلى تعليم الأطفال، لكن هناك بعض الرّكائز الّتي تحتاج إليها الأجيال القادمة للاستفادة منها، وهي: المحاسبة وإعادة توزيع الثّروة والقيادة الّتي ستلهم التّغيير في هذه المرحلة. كونفوشيوس ليس المرجعيّة لفرض التّغيير على المافيا الحاكمة، إنّما نحتاج إلى أكثر من شخصيّةٍ ملهمةٍ على نمط الأسطورة روبن هود.