الإعلام: عين على الثورة

الإعلام: عين على الثورة

صورة المقال: بيروت تصوير أحمد جابر

الإعلام: عين على الثّورة

ريتّا باروتّا

في توثيق الحراك الشّعبيّ، يكاد الإعلام أن يكون كلّ شيء. هو الوجه والظّلّ. الصّوت والصّورة. هو النّبرة في المصطلح. إنّه الحدث وتبعاته، الاشتباك والسّلم. هو ببساطةٍ صانع الحدث.
ولأنّ بعض النّاس باتت تنظر دون رؤيةٍ، وتستمع دون إنصاتٍ، لابدّ أن يكون هذا كلّه خطأ الإعلام، أو بالأحرى، شيطنته.
ذلك أنّ الحراك الشّعبيّ يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوضع وسائل الإعلام وسياستها وممولّيها وطبيعة العلاقة الّتي تجمعها بالجمهور. والحراك، بمعناه المبسّط، هو تجسيدٌ لإرادة الشّعب في التّغيير.
إلّا أنّ ”التّغيير”، كفكرةٍ، غالبًا ما يتمّ إعادة تشكيله وهندسته بواسطة وسائل الإعلام الّتي توثّقه. وفي محاولةٍ لتقييم كيفيّة تعامل وسائل الإعلام مع الانتفاضة الشّعبيّة الّتي يشهدها لبنان حاليًّا، نتساءل عمّا إذا كانت هناك وسائط موضوعيّةٌ حقيقيّةٌ تساهم في إحداث تغييرٍ حقيقيٍّ ينسجه الشّعب.
لعبت وسائل الإعلام لفترةٍ طويلةٍ لعبة “الشّرطيّ الخيّر – الشّرطيّ الشّرّير”. يعود ذلك لعوامل عدّةٍ يبقى أهمّها ارتهان القطاع الإعلاميّ ككلٍّ لرأس المال المحزّب.
هذا ليس جديدًا علينا. الجديد هو ما نشهده الآن، حراكًا شعبيًّا لم يسبق له مثيلٌ. لذا، نحن بحاجةٍ إلى أن ندرك ونعي أهمّيّة العناصر الإعلاميّة الّتي يمكنها تغذية الحراك وحماية الصّحفيّين المستقلّين، وبالتّالي حماية المحتوى الإعلاميّ بالصّوت والصّورة.

أين النّقابة؟

فضيحة الصّحفيّين العاملين في تلفيزيون المستقبل يوازيها في الأهمية تقديم عددٍ من الصّحفيّين في وسائل إعلاميّةٍ مكتوبةٍ، استقالاتهم من مؤسّساتهم، كون سياساتها لا تتلاءم وخطّ الثّورة الشّعبيّة.
ناهيك عن انتهاكاتٍ بالجملة بحقّ الصّحفيّين (رصد في عهد الرّئيس ميشال عون ٣٢٧ انتهاك لحقوق الصّحفيّين) من شتمٍ وتوقيفٍ وتعرّضٍ للأذى، إقالاتٍ (كإقالة مديرة الوكالة الوطنيّة للإعلام)… كلّ ذلك يطرح وبشكّل تساؤلًا حول عمل النّقابات الّتي تقع على عاتقها مسؤوليّة حماية الصّحفيّين.
فنقابة الصّحافة ونقابة المحرّرين غائبتان تمامًا عن المشهد. السّلطة نفسها الّتي تحاصصت كلّ القطاعات، وضعت يدها أيضًا على عمل النّقابات.
الثّورة فرزت نوعًا آخر من المطالب، وسلّطت الضّوء على نقاباتٍ يسودها الاصطفاف السّياسيّ نفسه والزّبائنيّة نفسها، الّتي هي ركيزة النّظام.
اجتمعت مجموعةٌ من الصّحفيّين والصّحفيّات المستقلّين خلال الانتفاضة الشّعبيّة على تأييد مبادىء الثّورة.
“اكتشفنا بأنّه لدينا همٌّ مشتركٌ وهو غياب العمل النّقابيّ الّذي يخصّ المهنة رغم وجود نقابتين: نقابة الصّحافة (تخصّ أصحاب المؤسّسات) ونقابة المحرّرين (تخصّ جميع العاملين في القطاع). “ولكن للأسف، هذه النّقابة لا تمثّلنا ولم تأخذ يومًا طرفًا مع الصّحفيّين العاملين. فهي نقابةٌ أغلقت باب الانتساب إليها، ذات قوانين باليةٍ لم تتجدّد لسنواتٍ. كلّ من يتسلّمها يتصرّف وكأنّها شركةٌ خاصّةٌ له، يُبقي عضويّة أحد المنتسبين على حساب عضويّة آخرين”، أخبرتنا صباح أيّوب، وهي من الصّحفيّين الّذين قدّموا استقالتهم من صحيفة الأخبار.
وعن ضرورة إنشاء نقابةٍ بديلةٍ أجابت: “العمل النّقابيّ غائبٌ ولا حماية لأيّ من الصّحفيّين/ات.” لذلك، اخترنا لأنفسنا هدفًا ألا وهو إنشاء نقابةٍ بديلةٍ؛ فنحن نعاني من ركاكةٍ في الوضع الإعلاميّ عامّةً، ومن وضعٍ يشبه الفضيحة. فالمتعارف عليه في بلدنا هو تبعيّة المؤسّسات للسّياسة والتّمويل السّياسيّ. وهذا ليس جوًّا مؤاتيًا لأيٍّ من الصّحفيّين/ات لكي يقوموا بعملهم بمهنيّة.

الإعلام البديل

لقد شكّل الإعلام البديل، الّذي واكب الثّورات والتّحرّكات الشّعبيّة عالميًّا، قوّةً ضاغطةً؛ هو ما يشبه بشكله التّواصليّ الافتراضيّ غير المرتبط بهيكليّة، جوهر الثّورة الّتي تحرّرت من منظومة القائد، ليصبح لكلّ مواطنٍ صوته ورأيه، من دون الحاجة لأيّ نوعٍ من “الفلترة”. فالفضاء العامّ الّذي أرسته وسائل التّواصل الاجتماعيّ يشبه الشّارع تمامًا.
وفي حين شهد لبنان، منذ ١٧ تشرين الأوّل، سلوكيّاتٍ فيها الكثير من الارتجال وعدم القدرة على احتواء الشّارع من قبل الإعلام التّقليديّ، تسارع العديد من الصّحفيّين/ات والعاملين/ات في مجال التّواصل المرئيّ والمسموع، إلى خلق مساحاتٍ “بديلة”. وقد برهنت هذه الصّفحات، إن كانت صفحات على فيسبوك أو مواقع إخباريّة، مهنيّةً عاليةً من حيث التّدقيق بمصدر الخبر والحياد، بحيث تبقى المساحة مساحةً لصوت النّاس.

وعلى سبيل المثال، فقد تواصلنا مع مؤسّسي صفحة “الإعلام البديل” على فيسبوك، الّتي تضمّ حوالي ٤٠٠٠ متابع/ة، لنقف معهم على عملهم اليوم وضرورته. فهو وليد حاجةٍ وطلب، يفتح صفحاته حين يصمت الإعلام التّقليديّ عن التّغطية. وقد أفادونا بأنّ فريق عملهم يضمّ أكثر من ٦٠ صحافيًّا تقنيًّا ومصوّرًا يتوزّعون على كافّة الأراضي اللّبنانيّة لنقل الأخبار تفاديًا لأيّ تعتيمٍ إعلاميّ. وقد رفض القيّمون على الصّفحة أيّ نوع من أنواع التّمويل. وقد جاء شكل الأخبار بسيطًا، يتكوّن بغالبيّته من فيديوهاتٍ قصيرة، دون التّدخّل أو التّعليق على مجريات الأحداث الّتي تُنقل.

يبقى أن ننتظر ما ستؤول إليه الأحداث في الأيّام المقبلة، لنشدّ على يد الصّحفيّين/ات المستقلّين/ات لإنشاء نقابةٍ بديلةٍ كما مؤسّسات إعلاميّة بديلة، تلعب دورًا رائدًا في محاربة فساد وَقَع الإعلام كغيره، ضحيّته.
فالإعلام المأزوم، لا يُخرج من الأزمات.

التّغيير يحدث. محتوى الوسائط البديلة يبني نفسه، وإن ببطء، ويكسب الجمهور. لقد سئم النّاس من المحتوى الإعلاميّ التّقليديّ. سئم من وجوهه، سئم من مقدّمات نشرات الأخبار، وكلّ استعاراتها واختراعاتها. سئم من الّذي يملي عليه آراءه وتصوّراته وحتّى قراراته اليوميّة. يريد النّاس أن يروا وسائط جديدةً مستمدّةً من أوجاع وآمال أهل الانتفاضة. يريد النّاس أن يكونوا هم الخبر وهم البديل. وهذه هي مسؤوليّتنا جميعًا.