الجماهير

الجماهير

الجماهير

أدم حلمي

مفتاح السّرّ في نجاح أيّ حراكٍ سياسيٍّ سلميٍّ، هو الحفاظ على حالة الزّخم الجماهيريّ أطول وقتٍ ممكنٍ، حتّى يتسنّى للحراك تحقيق ما يصبو إليه؛ سواء تمثّل الزّخم الجماهيريّ بالتّواجد في الميادين أو في صورٍ أخرى أهمّها حالة التّعاطف العامّ داخل المجتمع. وبينما تراهن السّلطة وتعمل دائمًا على احتواء وحصار الزّخم الجماهيريّ حتّى خفوته تدريجيًّا، يجب على الشّباب في كافّة الميادين الانشغال بكيفيّة الحفاظ على الزّخم الجماهيريّ وتطويره ونقله إلى قطاعاتٍ ومناطق أخرى.
من واقع تجربتنا في مصر، بعض الائتلافات الثّوريّة نجحت في ذلك والبعض الآخر تعثّر في الميدان حيث انعزل كثيرٌ من الحركات داخله بعيدًا عن حركة المجتمع وتطوّره، وتغيّر وتبدّل احتياجات الجماهير ومشاعرها؛ فتحوّل الميدان في كثيرٍ من المناسبات إلى مكانٍ محدودٍ يعبّر عمّن بداخله فقط دون أن يكون له أيّ تأثير خارجه.
كان الأمر يتطلّب الاجتهاد في فهم سيكولوجيّة ومزاج الجماهير، وهي عمليّةٌ دائمةٌ ومستمرّة. فالحالة المزاجيّة للجماهير متقلّبةٌ بشكلٍ جنونيٍّ تجاه الأحداث المتلاحقة وأمام المسارات المختلفة. خلال أحداث ثورة يناير في مصر، كان الغضب في الأيّام الأولى يسيطر على شعور الجماهير الّتي عبّرت عن رفضها للنّظام الحاكم فى ذلك الوقت بمشاركةٍ كثيفةٍ وصلت ذروتها يوم 28 يناير حتّى رحيل مبارك. لكن بتعاقب الأحداث، تبدّل شعور قطاعاتٍ واسعةٍ ضمن الجماهير الغاضبة من الغضب من النّظام الحاكم إلى الخوف من المجهول، فغادر كثيرٌ من الجماهير الميادين وتحوّلوا إلى متفرّجين من أمام شاشات التّلفاز وتفوّق الخوف على الغضب. لم يدرك الشّباب ما جرى في تلك اللّحظة الفارقة واستمرّوا في تقديم خطاباتٍ وشعاراتٍ لحشد الغاضبين إلى الميادين، في حين أنّ النّاس في ذلك الوقت كانوا في أمسّ الحاجة إلى خطابٍ مطمئنٍ يمنحهم الأمل في المستقبل ويجهض كلّ أكاذيب السّلطة حول عواقب التّغيير، وأنّ التّغيير ستعقبه روحٌ جديدةٌ تحتوي كلّ المواطنين بلا إقصاءٍ أو تهميشٍ أو تمييز، وأنّ محاربة الفساد ستكون قائمةً على المحاسبة وسيادة القانون لا الانتقام ولا التّشفّي. كنّا بحاجةٍ إلى ابتكار وإيجاد طرقٍ وأدواتٍ إيجابيّة وآمنة يمكن للجماهير من خلالها التّضامن مع مطالب الثّورة، بدلًا من استنزاف أدوات الاحتجاج التّقليديّة والّتي تحوّلت من أدواتٍ للتّعبير عن الغضب إلى أدواتٍ ضاعفت من حالة الذّعر والخوف عند عموم المواطنين.
* خلال الثمانية عشر يومًا داخل الميادين، نجحنا في خلق قنوات تواصلٍ واتّصالٍ مع الجماهير عبر وسائل الاتّصال والتّواصل الحديثة، وتفوّقت “النّكت” السّياسيّة والشّعارات الجذّابة والأغاني السّاخرة والجرافيتي ورسوم الكاريكاتير على النّظريّات والخطب السّياسيّة العميقة الطّويلة المملّة. كان المحتوى سهلًا وبسيطًا، فنجح في توصيل المعنى لعموم المواطنين البسطاء في كلّ مكانٍ حول فشل السّلطة في إقامة حياةٍ اجتماعيّةٍ عادلةٍ والحفاظ على ثروات ومقدّرات الوطن. لكنّ السّلطة نجحت في إقحام تلك الأدوات والوسائل الإعلاميّة في حربٍ إعلاميّةٍ للرّدّ على الشّائعات، وفقدنا زمام المبادرة في كشف فشل السّلطة القائمة .
* اختزل بعض الشّباب – بحسن نيّة- الثّورة في الفئة أو المجموعة الّتي أطلقت الدّعوات الأولى للتّظاهر، لكن نجحت الائتلافات الّتي فتحت أبوابها أمام الجميع. وبالقطع، فثمّة من أراد القفز على الثّورة وثمّة من راجع موقفه وآمن ولو متأخّرًا بأهدافها…
* اهتمّت بعض الائتلافات الشّبابيّة بالانتقال بحالة الزّخم الجماهيريّ من الميادين إلى صناديق الانتخابات. هنا، واجه الشّباب صعوباتٍ عديدةً: أوّلها اتّهاماتٍ من قبل البعض بأنّ من يغادر الميدان ويشارك في الانتخابات البرلمانيّة وكأنّه يسعى إلى سلطةٍ ومالٍ وجاهٍ، إلى جانب عدم الاتّحاد في قوائم انتخابيّةٍ موحّدةٍ. وأعتقد أنّ التّحدّي الأهمّ لأيّ حراكٍ ثوريٍّ أو سياسيٍّ هو تنظيم الحراك ونقل الحالة إلى النّقابات والاتّحادات والمجالس البلديّة والنّيابيّة .