كلّنا مقاومة!

كلّنا مقاومة!

صورة المقال: بيروت تصوير أحمد جابر

كلّنا مقاومة!

بو ناصر الطّفّار

يُعرَّف الاحتلال عادةً بأنّه استيلاء دولةٍ على أرضٍ لا تملكها أو على جزءٍ منها قهرًا. في المقابل، تُعرّف المقاومة على أنّها ردّة فعلٍ مجتمعيّةٍ رفضًا لواقعٍ يحاول المحتلّ فرضه؛ إنّها مواجهة استبداده بالوسائل المتاحة كافّةً، والسّعي إلى إعادة الحقوق المادّيّة والمعنويّة لأصحابها.
إذًا، فالاحتلال عقليّةٌ ونظام حكمٍ ومنظومةٌ قيميّةٌ كاملةٌ، لا مجرّد غزو عسكريّ. كثيرًا ما نسمع بالاحتلال الثّقافيّ والاقتصاديّ والهويّاتيّ، فبالتّالي يمكن للمحتلّ أن يكون ابن البيت نفسه أحيانًا وليس بالضّرورة غريبًا عنه.
المصيبة في هذه الحالة تأتي مضاعفةً، لأنّ “ظلم ذوي القربة أشدّ مضاضةً”، كما قال طرفة بن العبد في معلّقته الشّهيرة قبل ١٥٠٠ عام.
وفي لبنان، اختزل النّظام السّياسيّ مفهوم المقاومة في أدبيّاته وخطابه بمقاومة العدوّ الاسرائيليّ، ليرتبط حصرًا بـ “حزب الله” وجناحه العسكريّ، بعد أن حصر جبهته القتاليّة بعيدًا عن شركائه العلمانيّين والوطنيّين وغير المرتبطين مباشرةً بالسّياسات الخارجيّة. قالها الحزب، وكرّرت أبواق النّظام الطّائفيّ كلّها خلفه: “أنا المقاومة، والمقاومة أنا.”

قامت ثورة ١٧ تشرين لتنسف هذه المسلّمة، إلى جانب مسلّماتٍ زائفةٍ ساقها النّظام، وفرضت معادلةً جديدةً واضحةً لا لبس فيها ولا تعقيد: ثورتنا مقاومةٌ شعبيّةٌ صافيةٌ في وجه دولة احتلال! عداؤنا للكيان الصّهيونيّ غير محدودٍ، لكنّنا لسنا ضدّ الظّلم الاسرائيليّ فحسب؛ هذه ثورةٌ ضدّ كلّ ظالمٍ حتّى ولو ظلمتنا أوطاننا.
نعم يا سادة، نحن نعيش في ظلّ دولة احتلالٍ موصوفةٍ يحميها “سقفٌ فولاذيٌّ”، كما يحلو لرئيسها، ميشال عون، وصف نفسه. تراكمت في صدورنا أطنان قهرٍ وذلٍّ وهزائم وخيباتٍ تحت نير المحتلّ الّذي نهب أرضنا وأملاكنا العامّة وأموالنا وتعبنا اليوميّ وحيواتنا البائسة.
رفعت دولتنا جدار فصلٍ عنصريٍّ بين المناطق والطّوائف، وبنت مستعمراتها ومستوطناتها وسط العاصمة وفوق الأملاك البحريّة والبرّيّة المنهوبة. قتلتنا بالرّصاص حينًا وبالحرمان أحيانًا. دولةٌ يحكمها أمراء الحرب الأهليّة وسفّاحوها، ويجدّد فيها النّوّاب السّفلة لأنفسهم، كأنّ النّاس غبار لا رأي لهم ولا قيمة.
دولة احتلالٍ تقتل سكّان البلاد ببطء، عبر إغراقهم بالقروض، وحرمانهم من أبسط مقوّمات العيش والحقوق البسيطة كالماء والخبز والتّعليم والضّمان الصّحّيّ. احتلالٌ موصوفٌ مباشرٌ، وثورتنا ضدّه أسمى أنواع المقاومة. وكلّما زاد تمسّكها بسلميّتها وعضّت على جرحها، انكشف معها وجه النّظام المحتلّ القائم على القوّة والبطش.
قالتها الثّورة بالحناجر ومكبّرات الصّوت والقبضات المرفوعة والطّرق على الطّناجر الفارغة في السّاحات كلّها: “كلّنا مقاومة!”
الطّفل الّذي توفّي على باب المستشفى هو نفسه من استشهد في مجزرة قانا، والرّجل الّذي حرق نفسه أمام مدرسة ابنته لعجزه عن سداد قسطها هو نفسه من أحرقته الغارة الاسرائيليّة في بئر العبد مع عائلته، والمجاهد الّذي استشهد مواجهًا جيش العدوّ جنوبًا ليحمي شعبه هو نفسه من قُتل في طريق المطار في سبيل حماية الشّعب نفسه من التّشبيح.
إنّ كرهنا لعنصريّة الاحتلال الاسرائيليّ إزاء الشّعب الفلسطينيّ هو نفسه إزاء عنصريّة دولتنا. كرهنا لظلم اسرائيل لأهلنا في الجنوب هو كرهنا لظلم دولتنا لهم أيضًا.
لم نعد مضطرّين تبرير حسن نوايانا بحرق علم الاحتلال كلّ يومٍ أمام الكاميرات لإثبات العداء له.
المقاومة قيمةٌ إنسانيّةٌ شاملةٌ: إنّها التّخطيط والعمل على دحر الظّلم في بقاع الأرض كلّها، ولا تقاس بالموقف من اسرائيل وحدها، بل بالموقف من كلّ “اسرائيل” في هذه الدّنيا، مهما تبدلّت ألوان رايتها.