حيّ على خير الشّغب

حيّ على خير الشّغب

صورة المقال: ساحة الشهداء تصوير غنوه ضاهر

حيّ على خير الشّغب

خضر سلامة
الـ “أوستراكيّة” أو Ostrakismos مصطلحٌ إغريقيٌّ يعود إلى زمن “ديموقراطيّة” أثينا، وكان إجراءً إقصائيًّا معتمدًا خصوصًا في القرن الخامس قبل الميلاد، حين كان يجتمع الأثينيّون المحظوظون الّذين يتمتّعون بالحقّ الدّيمقراطيّ ليطرح كلّ واحدٍ منهم اسم من يعتقد أنّه عدوّ “الدّولة” أو المجتمع. يُكتب الاسم على قطعة فخار (ostracon)، والمواطن الحاصل على العدد الكافي من الأصوات يُحكم عليه بالنّفي خارج المدينة أو الدّولة، من دون تهمةٍ ومحاكمةٍ.
اعتُمدت الأوستراكيّة لسنواتٍ كوسيلةٍ ديمقراطيّةٍ للتّخلّص من أعداء الحكم القائم أو النّخب النّافذة.
مالنا نحن ومال الأوستراكيّة وأثينا؟
بيروت، كنموذجٍ للمدينة اللّبنانيّة ـ إذ اعتبرنا “عنقود الضّيع” كما وصفها الرّاحل عصام العبد الله مدينة ـ قامت على ممارسةٍ صامتةٍ للأوستراكيّة. بؤساء الرّيف النّازحون إلى وهم المدنية أُقصوا خارج الشّوارع المترفة، وسيّجت المدينة نفسها بأكثر من حاجزٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ ومادّيّ، لتمنع الطّبقة “الرّثّة” من تلويث أسلوب حياة “المحظوظين”، ولعلّ هذا كان سببًا (طبقيًّا؟!) كافيًا لينهش مقاتلو الحرب الأهليّة مباني المدينة وملاهيها وترفها فور سنوح الفرصة؛ لم تكن هذه المدينة لهم، وكان العمّال فيها مجرّد مياومين ينهون دوامهم، ثمّ ينصرفون آخر النّهار إلى أحزمة بؤسهم. لم يكن صعبًا أن تقنع أحدهم حين حمّلته الحرب سلاحًا أن يحرقها متى سقطت وهرة كلاب حراستها.
لم تكن النّسخة الحريريّة لبيروت ما بعد الحرب الأهليّة أفضل، إذ خسرنا معها البقعة الوحيدة الّتي كانت تضجّ بالنّاس، وأعني المتعبين منهم. كان “البلد “يضجّ بالحياة من موقف الباصات قرب مبنى اللّعازاريّة (النّسخة الأصليّة من موقف الكولا) إلى منطقة الزّيتوني الّتي تلوّثت سمعتها بشارعٍ قريبٍ منها عُرف بـ “سوق الأوادم” أو “سوق الشّرامـ*ط”، وهو اللّقب الّذي طغى على اسم الشّارع الأصليّ: “شارع المتنبّي”!
ولعلّ من الجيّد أيضًا أن نذكر أنّ مبنى “البيضة” (أو الصّابونة) الشّهير كان سينما “غومون بالاس”، وسوقًا تجاريًّا متكاملًا عُرف باسم “سيتي سنتر” بيروت قبل عقودٍ كثيرةٍ من إنشاء نسخة ماجد الفطيم الفاخرة من سيتي سنتر الخليج في منطقة الحازميّة.
المهمّ، أقصت نسخة بيروت التّسعينيّات من يشكّلون خطرًا على النّموذج الّذي أريدَ بناؤه. أذكر أنّ مقاتلًا سابقًا سخر في وثائقيٍّ من حداثة مدينته، وكيف بات يشعر أنّه ملزمٌ بخلع حذائه إذا أراد زيارة “البلد” كي لا يوسّخ شوارعها. منذ التّسعينيّات، تعرّف جيلنا إلى وسط مدينةٍ لا يشبه أيّ وسط مدينةٍ أخرى حيث تتجاوز فواتير المطعم فيها الحدّ الأدنى للأجور، وإيجار المكتب السّنويّ فيها يتجاوز سعر شراء شقّةٍ في ضواحي المدينة. اختفى سوق الصّاغة وسوق اللّحّامين وغيرها من أسواق الناس، وبنى “المحظوظون” مركزًا تجاريًّا وضعوا فيه أسماء الأسواق هذه، من دون ناسها، ومن دون أسمائهم ووجوههم.
ولكن من هم هؤلاء الّذين يشكّلون خطرًا على النّموذج الاقتصاديّ؟
في الأيّام الأولى من الاحتجاجات الشّعبيّة الّتي انطلقت يوم 17 أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، استعاد النّاس، لا النّخب، وسط مدينتهم لأوّل مرّةٍ منذ عقودٍ وعلى طريقتهم. حاصر المقصيّون عن مدينتهم الحكومة والبرلمان بدرّاجاتٍ ناريّةٍ رخيصةٍ كانت الشّرطة تعوّدت لسنين على اصطيادها متى دخلت المدينة، وافتتح الملثّمون بالغضب مهرجان النّار وسط بيروت، وكسّروا ما تيسّر من واجهات المحال المحرّمة على أهل الدّخل المحدود. سقط النّموذج الفاخر في ساعاتٍ قليلةٍ في يد جيشٍ من عراة الصّدور؛ “هؤلاء الّذين ليس على صدورهم قمصان” من سيحرّرون العالم، وفق نبوءة الرّاحل كمال جنبلاط.
من هم هؤلاء؟! أدّعي أنّي أعرف كثيرين منهم دون أن أعرفهم، معظمهم مرّغ النّظام اللّبنانيّ حياتهم في وحل الحاجة ومأساة الإفقار الممنهج. عشراتٌ وفدوا من أحياءٍ محرومةٍ من أبسط حاجات الحياة الكريمة، ولم يعرفوا من الدّولة غير الضّريبة والمخالفة أو العصا والرّصاص، وبعضهم تمرّس في مواجهة عنف الشّرطة الممنوع من النّشر في المخافر، وبعضهم درس الصّدام مع العسكر في مدرّجات جمهور الكرة المحاصر بالدّبابات، وآخرون مطرودون من الخليج منذ سنواتٍ لشبهةٍ في الطّائفة أو الموقف ومتروكون بلا سؤال، والبقيّة لهم ثاراتٌ مختلفةٌ مع الماكنة الحاكمة: فلانٌ صادر المصرف أرضه أو سطا رجل أعمالٍ على حيّه القديم، وفلانٌ آخر مات حبيبٌ له على باب مستشفى، وفلانٌ أخيرٌ احترق قلبه حين لم يكن يملك ما يسدّ به رمق أطفاله، فقرّر أن يحرق المدينة.
استمرّ الشغَب كما تسمّيه الدّولة، والثّأر كما نسمّيه، ليومين.
حُرّرت المدينة من ساحة الشّهداء إلى ساحة رياض الصّلح من محتلّيها: شلّ الفقراء عمل المصارف بعد أن شلّت حياتهم لسنواتٍ، وبدّلوا أحذيتهم الرّثّة بأحذية “بوما” المصادرة باسم الثّورة، وهشّموا الزّجاج العازل لأصوات البكاء جوعًا وعوزًا لعقودٍ، وكتبوا على جدران المباني النّظيفة كلّ العبارات الخادشة لحياء الطّبقات المهذّبة الّتي لم تستح حين اعتادت أن تبوّل من قلعتها على مستقبلنا، فكان أن استحالت قلعتهم الفاخرة حمّامًا عموميًّا للغاضبين. استبدل ناس المدينة المطاعم الّتي لا تشبههم بعربايات العرانيس وكعك القليطة، والمقاهي المحرّمة عليهم ببسطات الأراغيل وباعة القهوة والمياه المتجوّلين.
إذا لم يكن هذا تحريرًا للمدينة، فكيف يكون التّحرير؟
إنّ هذا السّرد لسيرة وسط المدينة حتّى الأيّام الأولى للحراك الثّوريّ في لبنان محاولةٌ للدّفع باتّجاه عدم إعادة ارتكاب نفس الأخطاء مع فئاتٍ أقصاها رأس المال منذ عقودٍ عن مدينتها، ولا يجب أن نعيد إقصاءها تحت عناوين سياسيّةٍ أو ثقافيّةٍ أو “مدَنيّة”. هذه المدينة ليست للأغنياء وليست للمثّقفين أيضًا، هذه المدينة ملك من يبني حياتها اليوميّة بعرقه وبغضبه وبحصّته من الحرمان، وهي فئاتٌ قد لا يعجب بعضنا سلوكها ولا تموضعها السّياسيّ أو الاجتماعيّ أو الطّائفيّ، ولكن لولاهم لما كانت الشّرارة الّتي أشعلت هشيم النّظام اللّبنانيّ اليابس الّتي نعيش اليوم على دفء الأمل الّذي بعثته في احتمالات التّغيير. ولأنّ الفرصة اليوم قد لا تتكرّر لو خبت نار الغضب، فمن الضّروريّ أن نتمسّك بفكرة استعادة المدينة وفتحها أمام النّاس، ومن الضّروريّ قبل ذلك كلّه ألا نقفلها نحن أمامهم باللّغة أو المصطلح أو الشّروط المسلكيّة أو الفحوص السّياسيّة.
فإذا لم تستطع “الثّورة” أن تحتضن هؤلاء، من سيفعل؟
الواجب الثّوريّ يقتضي أن نتخلّى عن موروثات “الأوستراكيّة” اللّبنانيّة المزروعة في معظم دكاكين العمل المدنيّ والجامعيّ والسّياسيّ. قد لا ينجذب كثيرٌ من هذه الفئات الغاضبة للشّعارات الفضفاضة كـ”الدّولة المدنيّة” و”إلغاء الطّائفيّة” وسمفونيّة “الوحدة الوطنيّة” وبوسطاتها ورقصاتها وجلسات التّأمّل الرّوحيّ وغيرها من حركات الطّبقات الوسطى، لا بل قد ينفرون منها ويعادونها حين يشعرون أنّها لا تشبههم، ولكن هل من الضّروريّ حقًّا أن نُلبس نحن النّاس شعاراتنا ومطالبنا وأفكارنا؟ لماذا لا نجرّب لمرّةٍ أن نلبس نحن شعاراتهم ومطالبهم؟ لماذا لا نجرّب لمرّةٍ أن نفكّر بالرّغيف قبل الدّستور، وبالضّمان الصّحّيّ قبل صندوق الاقتراع، وبالتّوظيف والتّشغيل قبل “التّغيير الدّيمقراطيّ”، وبالنّقل العامّ قبل بوسطة الوحدة الوطنيّة، وبالجامعة والمدرسة الرّسميّة قبل حكم التّكنوقراط؟ لو أنّنا فكّكنا هذه الاحتكارات والزّبائنيّة السّياسيّة في التّعليم والخدمة العامّة والتّوظيف والتّموين، ماذا سيبقى من أمبراطوريّات أمراء الطّوائف؟
إنّ المشاغبين المندسّين المخالفين لكلّ قانونٍ لهم فضلٌ لا يجب أن ننساه حين تُكتب سيرة هذه الأيّام المباركة.
هؤلاء حين لم تكن النّخب تملك مفاتيح باب التّغيير، حضروا وخلعوه، هؤلاء الّذين أقصاهم النّظام اللّبنانيّ لسنواتٍ طويلةٍ عن عهد “الازدهار” هم وحدهم من عادوا ليقصوا العسس والحرس والمصرف عن الشّارع، وهم أيضًا الدّليل القاطع على أنّ هذه المدينة، كما كلّ مدن البلاد، مسروقةٌ من أهلها ويجب أن تعود إليهم.
أمّا “أوستراكيّة” الدّيمقراطيّة اللّبنانيّة المجيّرة لخدمة أرباب المال والحكّام بأمره، فلعلّنا نستطيع أن نتأمّل أن تكون قد دُفنَت، كما دَفنت هي أحلامًا كثيرة.