عندما تترنّح قدسية القائد

عندما تترنّح قدسية القائد

صورة المقال: ساحة الشهداء تصوير نذير حلواني

عندما تترنّح قدسيّة القائد

زنوبيا ظاهر
“أنا بحبّو كتير، بس عنجد هو هيك؟ قوليلي… اللّي عم يحكوه صحّ؟” تسألني صديقةٌ تحبّ زعيمًا سياسيًّا وتكره خصمه. الآن، لم تعد تفهم. لكنّي في تلك اللّحظة، لم أشعر إلّا بحاجتها للاحتضان، بعدما فقدت أرضًا كانت قد ثبتت عليها قدماها مذ ولدت. هذا ما تفعله الثّورات، تحتضن من غدرتهم أرضهم.
القائد المقدّس غير المتزحزح عن كرسيّه لأنّه قابعٌ في القلوب، بدأ يغدو “موضة قديمة”. “كلّهم خطّاؤون”، هذا ما قالوه من أحرقوا صور زعمائهم في ساحات مدنهم وقراهم، بعد سنين من الصّمت الإجباريّ خوفًا من “السّحسوح”، وهو بلا شكّ مبدأٌ أساسٌ في شخصيّتنا الجماعيّة. اليوم، يعيدون الحديث عنه لا لشيءٍ إلّا لأنّ هزّةً ضربت قواعده فصار لابدّ من التّذكير به لنصدّقه مجدّدًا.
كلّنا نخاف “السّحاسيح”، لا أحد يريدها. المتراجع عن ثورته بعد تهديدٍ ووعيدٍ وربّما بعد أذيّةٍ ليس بخائنٍ، إنّما هو رفيقنا الضّحيّة في الثّورة، إلّا أنّ يدًا طالته وضغطًا عاطفيًّا أو جسديًّا أو ماديًّا لاحقه؛ لا لوم عليه إذًا.
“يسقُط القائد من أعاليه” قولٌ لفيسبوكيّين حقيقيّين نعرفهم بالأسماء، وكذلك لثائرين التقينا بهم في السّاحات. كما قالوا “إنّ زعيمنا لم يعد يمثّلنا.” كثيرون من الّذين لم يعلنوا انشقاقاتهم عن أحزابهم، اكتفوا بالنّزول إلى السّاحات وهتفوا ضدّهم؛ وهذه تركيبةٌ قد لا يفهمها من لم يعش مراحل التّحرّر كلّها.
لا شيء أسوأ على الشّعوب أكثر من أساطيرها الآدميّة إلّا قادتها أصحاب الكاريزما وأصابعهم الّتي قد تشير إلى هاويةٍ تسقط جماهير فيها بطيب الخاطر. ولعلّ أحد أهمّ مؤشّرات التّحوّل في الوعي السّياسيّ هو إسقاط أسطورة القائد، إسقاط فكرة “خرطوشة بفردك.” فكبير القوم خادمهم وليس العكس، نحن الحكّام وليس العكس.
هذا الإسقاط كان شبابيًّا بمعظمه؛ فأحفاد جيل الحرب الّذين عاشوا في ثباتٍ وتسليمٍ للأنظمة الهجينة الموروثة اكتشفوا اليوم، أنّ بلادًا تشبههم هي طموحٌ مشروعٌ وأنّ الرّغبة والإصرار يوديان إلى انتصاراتٍ مهما بدت صغيرةَ إلّا أنّها تؤسّس لانقلاباتٍ جذريّةٍ لاحقةٍ.
لم يعد حفيد الحرب مدينًا لزعيمه كما كان مدينًا له معاصرها، لا بشأن حمايته كابن الطّائفة من متربّصٍ له في الطّائفة الشّقيقة (ظاهريًّا) كضمانٍ لوجوده، ولا بشأن حماية لقمة عيشه. فالجسور الّتي أخذت تمتدّ بين المواطنين، جسور الهموم المعيشيّة المشتركة وجسور البحث عن مكانٍ لعقلٍ خلّاقٍ في أنظمةٍ لا تريد إلّا عقولًا داخل الصّناديق وجسور كسر حاجز الخوف الموروث من “الآخر” الّتي أدّت إلى اكتشاف أنّ الآخر ليس ضبعًا يعضّ وأنّ كلّ من شارك في الحرب الأهليّة آنذاك كان ضبعًا، حتّى الـ “نحن”… هذا كلّه جعل المنظومة الثّقافيّة هشّةً في نظرنا، بل أكثر هشاشةً من المنظومة السّياسيّة الّتي بدأت معركة تحطيمها.
بات الأمر أكثر تعقيدًا، وبات تخييرنا بين الأمن والحرّيّة أيضًا إشكاليّةً بذاتها إذ لماذا علينا نحن أبناء هذه الأوطان أن نختار دائمًا بين خضوعنا لنظامٍ يحمينا مهما كان لا يشبهنا (لا من حيث الطّموح ولا من حيث الإمكانيّات العلميّة والفكريّة) وبين الهلاك؟ لقد أيقنّا، بعد احتكاكٍ طويلٍ بنظامنا الاجتماعيّ/السّياسيّ، أنّ لا مكان لعقلٍ جديدٍ في نظامٍ مركّبٍ على أساس التّرقيع لا التّنوّع. كما اتّضحت لنا الخطّة الّتي تعمل على ترسيخ العقليّة الّتي أنتجت الحرب الأهليّة – مع احتماليّة اندلاعها ثانيةً عند أيّة خضّةٍ – بدلًا من القضاء عليها تدريجيًّا لأنّنا ذقنا لوعاتها. لذلك، نعلن انتهاء الحرب.