هل نحن طائفيّون؟

هل نحن طائفيّون؟

صورة المقال: ساحة الشهداء تصوير غنوه ضاهر

هل نحن طائفيّون؟

د. إبراهيم حلاوي

يرتبط وصف المجتمع اللّبنانيّ بالهويّات الطّائفيّة، الّتي تبدو ثابتةً وأزليّةً. يؤكّد جيل الحرب الأهليّة لأبنائه، جيل “الهدوء النّسبيّ” ما بعد الحرب، أنّ الهويّات الطّائفيّة متجذّرةٌ وتكاد تكون بيولوجيّةً، وبذلك يتمّ الاستخفاف بمحاولات تخيّل هويّاتٍ بديلةٍ عن تلك الّتي ورثناها. هل ثمّة هويّات ثابتة؟

هل الهويّة الطّائفيّة مجبولةٌ بالبرغل، كما يصفها زياد الرّحباني؟

يرى الباحث الإيرلنديّ بنديكت أندرسن (١٩٣٦)، في كتابه “الجماعات المُتخيّلة”، أنّ الهويّات الجماعيّة، على أنواعها، هي هويّاتٌ متخيّلةٌ، أي أنّ كلّ الهويّات الجماعيّة هي هويّاتٌ مبنيّةٌ على خيالٍ ما. ومعظم الهويّات مرتبطٌ بأساطير قديمةٍ تعطيها طابعًا تاريخيًّا أزليًّا ورومنسيًّا.

هذا لا يعني أنّ الهويّات غير مهمّةٍ أو غير شرعيّةٍ. طريقة فهم الواقع الإنسانيّ المعقّد تحتّم تصوّرًا أو خيالًا ما، ينجح من خلاله الفرد بإرضاء حاجته لأجوبةٍ مبسّطةٍ على واقعه المعقّد والمتغيّر، وينجح أيضًا بإرضاء حاجته للانتماء لجماعةٍ. هذه الأجوبة المبسّطة تنسجم مع هويّةٍ ما، يتشاركها آخرون عندما يبسّطون واقعهم بنفس الصّورة والخيال. مثلًا، الهويّة المارونيّة للبنان ارتبطت تاريخيًّا بنظرةٍ فوقيّةٍ اتّجاه العرب (والمسلمين عمومًا) وتخيّلت ربطًا تاريخيًّا بين موارنة لبنان اليوم وأساطير فينيقيّة. أمّا الهويّة القوميّة النّاصريّة، فقد رسمت مخيّلةً جماعيّةً تربط مساوئ الواقع العربيّ بالانتداب وعملائه، وحسنات الواقع بالهويّة العربيّة. مع الوقت، تترسّخ هذه الهويّة وصورة الواقع الّتي تنتجها من خلال فهم الأحداث بشكلٍ يعيد التّأكيد على أصحّيّة الهويّة هذه.

إذًا، الهويّة أمرٌ مهمٌّ ومؤثّرٌ في حياة الإنسان وعلاقاته وتصرفّاته، رغم أنّها متخيّلةٌ لواقعٍ دائم التّعقيد. لكن، عمومًا، الصّورة المرتبطة بهويّةٍ ما غير ثابتةٍ، إذ أنّها تتأثّر بتطوّراتٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وتكنولوجيّةٍ وحتّى مناخيّةٍ، على صعيد الفرد والجماعة. فالهويّة القوميّة المصريّة مثلًا، المرتبطة بمخيّلة اليوم – أو واقعه – مختلفةٌ عن تلك الصّورة للهويّة المصريّة في أيّام جمال عبد النّاصر؛ والهويّة العرقيّة العنصريّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، أتت نتيجة مخيّلةٍ جماعيّةٍ ربطت مساوئ الواقع بالمغتربين وحسناته بالبيض. أيضًا، فالهويّة الألمانيّة كانت مختلفةً قبل وبعد تأسيس الاتّحاد الأوروبيّ. عددٌ كبيرٌ من الألمان اليوم يعرّفون عن أنفسهم كأوروبيّين قبل أن يكونوا ألمانًا، انسجامًا مع واقعهم الأوروبيّ المنفتح على بعضه.

إذًا، لماذا يبدو لنا، في سياقنا المحلّيّ، أنّ هويّتنا الطّائفيّة لم ولن تتبدّل؟

هنا يأتي دور النّخب ومؤسّسات الدّولة الّتي أنشأتها نخب الحرب اللّبنانيّة والدّول الدّاعمة لها. نجحت الدّولة اللّبنانيّة بتثبيت الهويّة الطّائفيّة من خلال ربط حقوق المواطن اللّبنانيّ بشروطٍ طائفيّةٍ، بنيّة إنهاء الحرب الدّمويّة. المحاصصة الطّائفيّة هذه تعيق قدرة الفرد والجماعة في لبنان على النّموّ والحصول على موارد (مادّيّة، ثقافيّة، توظيفيّة، تعليميّة، صحّيّة، حقوقيّة، وغيرها)، لأنّها تشترط تبنّيًا دائمًا للهويّة الطّائفيّة. ويرتبط هذا التّبنّي للهويّة الطّائفيّة بممارساتٍ يوميّةٍ جماعيّةٍ وفرديّةٍ تساهم في ترسيخها، كالمشاركة في مناسباتٍ طائفيّةٍ دينيّةٍ ورمزيّةٍ إثباتًا للولاء الطّائفيّ (الجماعة ممثّلة بنخبها السّياسيّة)، وإعادة إثبات الولاء في كلّ استحقاقٍ تدعو له النّخبة الطّائفيّة. هذا الواقع اليوميّ يصعّب قدرة الفرد على النّفور من هذه الهويّة، فارضًا عليه إعادة استيعاب الهويّة الطّائفيّة بعد كلّ محاولةٍ يائسةٍ لتخيّل الواقع بصورةٍ بديلةٍ، إذ أنّ لقمة عيشه وحقوقه البديهيّة محكومةٌ بها.

لكن ثمّة طبقة لا تنطبق عليها الشّروط الطّائفيّة للوصول إلى هذه الموارد: النّخب الّتي يعمل المجتمع ليلًا نهارًا على إثبات ولائه الطّائفيّ لها. فقد تخطّت هذه النّخب السّياسيّة والاقتصاديّة الهويّات الّتي تدعو بقيّة طبقات المجتمع للتّشبّث بها، وهي الوحيدة القادرة على تشكيل هويّاتٍ غير مشروطةٍ. تتمتّع بموارد كثيرةٍ مشرّعةٍ لها ومحرومةٍ على بقيّة الطّبقات في الطّائفة نفسها. هذه النّخب، من جميع الطّوائف، تأكل في نفس المطاعم الباهظة، وتشتري ملابسها من نفس المتاجر، وتركب مع بعضها الدّرجة الأولى في الطّائرات، وتحصل على نفس التّسهيلات في السّوق وفي مؤسّسات الدّولة. هذه النّخب العابرة للطّوائف وهويّاتها، تتشارك ثقافيًّا وحياتيًّا واجتماعيًّا مع بعضها البعض أكثر بكثيرٍ ممّا يبدو من منظور الهويّة الطّائفيّة.

تعي هذه النّخب، على اختلاف هويّاتها ورؤيتها، أنّها تتمتّع بامتيازاتٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ، وأنّ الشّرط الأساس للحفاظ على هذه الامتيازات هو عدم مقاومة الطّبقات الأخرى لمصادر حرمانهم، أي لنظام المحاصصة الّذي فرض عليهم موارد محدودةً ومشروطةً بالطّائفيّة. إذًا، النّخب ترتزق من تبنّي بقيّة طبقات المجتمع المستمرّ للهويّات الطّائفيّة.

وبذلك، يمكن القول أنّ المجتمع اللّبنانيّ ليس مجتمعًا طائفيًّا؛ هذا المجتمع، كسائر المجتمعات، مجتمعٌ ذو واقعٍ طبقيٍّ مستدامٍ من خلال استمرار الطّبقات الدّنيويّة بتخيّل هويّاتٍ طائفيّةٍ، تلك الهويّات الطّائفيّة تستبعد الواقع الطّبقيّ العابر للطّوائف. إنّ إعادة تخيّل مصدر الحرمان كجماعةٍ طبقيّةٍ هو شرطٌ أساسٌ للوصول إلى دولة المواطنة العادلة الّتي تتبنّى العدالة الاجتماعيّة وتوزيع الثّروات. يعمل العديد من اللّبنانيّين اليوم على إدراك الواقع الطّبقيّ هذا، بالتّركيز على الطّبقة الحاكمة باسم الطّائفة. وبذلك، يعي المجتمع – على مختلف تنوّعه الطّائفيّ – أنّ “الآخر” في الطّائفة يتشارك مصادر الحرمان وأسبابها. لكن، كما يقول المفكّر اللّبنانيّ الجنوبيّ الثّوريّ، الشّهيد مهدي عامل: “ليس بالحلم تكون الثّورة، وإن كان الحلم شرطًا من شروطها.”