الشّعب يستعيد البلد

الشّعب يستعيد البلد

الشّعب يستعيد البلد

خالد صاغيّة

بعد شهرٍ على انطلاقتها، تمكّنت الثّورة من هزّ عروش مراكز السّلطة كلّها.

كانت الحكومة أولى الضّحايا، فسقطت في الشّارع، وسقطت معها «الورقة الإصلاحيّة» الّتي أعدّها رئيسها والّتي نمّت عن استخفافٍ بهول الأزمتين السّياسيّة والاقتصاديّة.
أمّا مجلس النّوّاب، فيبدو فاقدًا للشّرعيّة التّمثيليّة، بعيدًا كلّ البُعد عن هموم الشّارع وتطلّعاته. سنةٌ ونصف من عمره كانت كافيةً لإظهار النّوّاب ككائناتٍ طفيليّةٍ انتهت صلاحيّة عقدها التّمثيليّ. ورغم الاختلافات داخل الشّارع، فإنّ مطلب الانتخابات المُبكرة بات يحظى بإجماع المتظاهرين. وما إلغاء جلسة الثّلاثاء الفائت، إلّا إمعانًا في ضرب شرعيّة هذا المجلس ورئيسه.
رئاسة الجمهوريّة، بدورها، تلقّت صفعةً قويّةً، سواء من خلال إنهاء أسطورة «العهد القويّ» أو من خلال لفظ الشّعب لصهر العهد وقطع الطّريق أمام توريثه. وبعد المقابلة الّتي دعا الرّئيس فيها المستائين إلى الهجرة، دقّت الثّورة أبواب بعبدا، وإن كانت لا تزال تقف عند العتبة.
أجبرت الثّورة أيضًا اللّاعب الأقوى، أي حزب الله، إلى الخروج من وراء ستارة العهد والإعلان، لا عن إمساكه بخيوط اللّعبة وحسب (وهو ما كان معروفًا)، بل عن استعداده لحماية كلّ هذه التّركيبة الحاكمة من العهد ورئيسه إلى رئيس الحكومة المستقيل، وحتّى المصارف وحاكمها. وهو موقفٌ لا يُحسَد عليه الحزب الّذي بدا أمينه العامّ متناقضًا بين خطابٍ وآخر. فقد انتهت الثّنائيّة بين الحزب والنّظام. أعلن الحزب، بطريقةٍ أو بأخرى، أنّه هو النّظام.

لكنّ هزّ العروش السّياسيّة ليس الإنجاز الأهمّ للثّورة،

بل استعادتها للبلد، استعادة فضائه العامّ وساحاته، واستعادة التّواصل بين مناطقه وطوائفه، بين المهنيّين ونقاباتهم.
فحين تصرخ بيروت لصور وطرابلس للنّبطيّة، لا يبدو الأمر مجرّد استدعاءٍ لمجاملاتٍ وطنيّة، بل ينمّ الأمر عن إدراكٍ حقيقيٍّ للتّضحيات الّتي يقدّمها أبناء وبنات صور والنّبطيّة حين ينزلون إلى الشّارع أو حين يحطّمون واجهات مكاتب النّوّاب.
وحين توجّه طرابلس تحيّةً إلى جلّ الدّيب، لا تبدو التّحيّة نموذجًا للتّعايش المستهلك بين الطّوائف، بل إصرارًا من المدينة على تدمير الصّورة المتحجّرة الّتي روّجتها السّلطة وإعلامها عنها.
وحين تُقام حفلةٌ لفرقةٍ كـ«الرّاحل الكبير» و«الرّاس» في وسط بيروت، فهذا يعني تمزيق مخطّط «سوليدير» لوسط المدينة، وإعادة رسم خريطة هذا الوسط. خريطة أجبرت «الزّيتونه باي» مثلًا، على إصدار بيانٍ تعترف فيه أنّها مشروعٌ غير محاذٍ للبحر، مشروعٌ يفصله رصيفٌ عن البحر، وإنّ هذا الرّصيف لا تملكه الشّركة ولا سلطة لها عليه.
وحين يبدأ المتعهّدون المعتدون على مرج بسري، بقرارٍ من الدّولة وخبرائها، بسحب آليّاتهم من المرج خوفًا من المتظاهرين، فهذا يعني أنّ يد الثّورة قادرةٌ أن تمتدّ لتُحرّر كلّ شبرٍ من اعتداءات الفساد والتّشبيح ووصفات الخبراء المدمّرة.

ثمّة مشهدان شديدا الرّمزيّة لبدء الثّورة مشوارها الطّويل في استعادة البلد:

المشهد الأوّل، هو وضع المصارف على امتداد البلاد تحت حراسةٍ أمنيّةٍ؛ وهذا يعني أنّه، من الآن فصاعدًا، لن يكون بوسع هذه الإدارات اللّصوصيّة الّتي هرّبت أموال أصحابها وأموال كبار مودعيها، أن تتواجد بيننا إلّا باعتبارها جسمًا معاديًا لنا.
المشهد الثّاني، هو نقل العرض العسكريّ السّنويّ بمناسبة عيد الاستقلال من وسط العاصمة إلى حصن وزارة الدّفاع؛ ما يعني أنّ هذا العرض السّنويّ الّذي يتربّع عليه الرّؤساء الثّلاثة وتحضره باقةٌ من الطّاقم السّياسيّ، لن يكون في الشّارع لأنّ الشّارع ببساطةٍ لم يعد لهم. الطّاقم السّياسيّ، وعلى رأسه الرّؤساء الثّلاثة، مطرودٌ من الشّارع. من الآن فصاعدًا، يمكن لمن يبحث عنهم أن يجدهم وراء الأسوار المحصّنة، أو في الشّارع تلاحقهم لعنة: «٢٨ وميّة، كلّن قرطة حراميّه».